Checkout

خطب الجمـعة

faheemfb@gmail.com

145

      

 

     
 

     


بسم الله الرحمن الرحيم

الحج وفضله

 

كتبها : الشيخ  عمر الخذراوي

ترجمها إلى الإنجليزية : د . فهيم بوخطوة

 

21  ذو القعدة 1431

29  أكتوبـر 2010

 

الحمد لله الذي فرض الحج على عباده إلى بيته الحرام، ورتب على ذلك جزيل الأجر ووافر الإنعام، فمن حج البيت، فلم يرفث، ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه نقيا من الذنوب والآثام والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة دار السلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام،  خلق فسوى ، وقدر فهدى ،خصنا بخير كتاب أُنزل، أكرمنا بخير نبي أرسل، وأتم علينا النعمة بأعظم دين شُرع. دين الإسلام (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)  وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من صلى، وزكى، وحج، وصام، وصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما تعاقبت الليالي والأيام، وسلم تسليما.

 

عباد الله: نستقبل في الأيام القليلة القادمة موسما عظيما من مواسم الخير واليمن والبركات، وأياما كريمة هي من أحب الأيام إلى الله سبحانه وتعالى، والعمل الصالح فيها أحب إلى الله مما سواهما من الأيام، فعن إبن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما من أيام العمل الصالح فيها احب إلى الله عز وجل من هذه الأيام" (يعني أيام العشر) قالوا يارسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيئ" رواه البخاري. فهذه الأيام هي أيام العشر من ذي الحجة التي شرع الله فيها للمسلم أن يزداد تقربا إلى الله وطاعة له وخضوعا وتوبة وإنابة إليه، بالتهليل والتكبير، والتسبيح والتحميد، فقد روى الطبراني في الكبير بإسناد جيد عن إبن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشرر فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير" .

 

وكذلك يُستحب في هذه الأيام كثرة البذل والصدقة والعطاء والمسارعة في فعل الخيرات (سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين)، ويُشرع في هذه الأيام الصيام وأوكدها صيام يوم عرفة وهو اليوم التاسع من ذي الحجة.  (وهذا كله لغير الحاج) فيوم عرفة أفضل أيام السنة على الإطلاق ، كما أن ليلة القدر هي أفضل ليالي السنة على الإطلاق ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :"صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يُكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده" يعني الصغائر من الذنوب فإن اجترح الإنسان الكبائر فلا كفارة لها إلا الندم والتوبة النصوح (...والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يُصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات لما بينهن إذا اجتُنبت الكبائر" رواه مسلم.

 

إخوة الإيمان والعقيدة : هذه الأيام المشهودة المباركة تهب علينا فيها روائح الحجيج، ونسمات الحج، تأتينا عاطرة محملة بعبق الطهر والنقاء من الأرض المقدسة من مكة المكرمة شرفها الله . تهب علينا هذه النسمات وهذه النفحات الربانية فنستنشق عبيرها ونعيش في أجوائها الربانية ، أجواء تلك الشعيرة وتلك الفريضة العظيمة فريضة الحج فيا فوز وياسعد من ووفق لأدائها. فهذه الفريضة كما نعلم جميعا هي الركن الخامس من أركان الإسلام لمن استطاع إليه سبيلا. قال تعالى : (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا. ومن كفر فإن الله غني عن العالمين). من كفر أي أعرض عن الحج . فوضع الله هذه الكلمة .. كلمة الكفر موضع الإعراض عن الحج يُخوف بها من لم يتشوق إلى الحج، ومن لم تهفو نفسه إلى آداء هذه الفريضة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله  وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا) متفق عليه.

 

وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الإسلام بُني على هذه الخمس فلا يتم إسلام عبد حتى يحج، ولا يستقيم بنيان إسلامه حتى يحج. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه  قال: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار، فينظروا كل من له جدة (أي غنى) ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين.

 

عباد الله : إن الإسلام قد شرع لنا فرائض وشعائر وعبادات بعضها يُسمى عبادات بدنية ، وبعضها يُسمى عبادة مالية ، وبعضها يُعتبر جامعا بين البدنية والمالية. فالصلاة عبادة بدنية وكذلك الصوم. والزكاة عبادة مالية، أما الحج فهو جامع بين الأمرين: عبادة بدنية عملية وعبادة مالية. فالإنسان بالحج يجتهد ويكدح ببدنه وينتقل من وطنه إلى تلك الأراضي المقدسة ، ويحيا حياة بسيطة فينام في الخيام في منى وقد ينام على الأرض ملتحفا السماء ، تاركا كل ما ألفه في حياته العادية محتملا الصعاب والمشقات التي قد يلاقيها في أثناء تأديته لفريضة الحج، ويتحرك طائفا بالبيت الحرام ساعيا بين الصفا والمروة وهذه كلها أعمال تحتاج إلى جهد بدني وسعي حركي. ومن ناحية أخرى تحتاج هذه الفريضة مالا. فلابد للمسلم أن يحتاج إلى مال حتى يُسافر إلى بلد الله الحرام، لم يكلفه الله أن يذهب ماشيا ، إنما يذهب راكبا . ولذلك كان شرطه أي الحج الإستطاعة. والإستطاعة بأن يمتلك الزاد والراحلة . وبتعبير عصرنا أن يمتلك المسلم نفقات السفر ، ونفقات الإقامة في الأرض المقدسة خلال الفترة اللازمة له. على ما يليق بحاله من غير إسراف ولا تقتير. وأن يترك لأهله وأولاده ما يكفيهم حتى يعود فلا يدعهم عالة دون شيئ. لذلك كان الحج عبادة مالية وعبادة بدنية .

 

أخوة الإسلام :

ولأن الحج عبادة مكلفة إلى هذا الحد جعلها الله على المرء مرة واحدة في العمر. فنجد الصلاة في كل يوم خمس مرات ، والزكاة مرة في كل حول فهي عبادة حولية ، أو عندما يحصد الإنسان الثمار ( .. وآتوا حقه يوم حصاده) الأنعام 141. والصيام في كل عام شهر. أما عبادة الحج فيجب في العمر مرة واحدة. ولهذا كان السلف رضوان الله عليهم يسمون الصلوات الخمس ميزان اليوم إذا استقامت لك صلواتك وأديتها في أوقاتها ، وأديتها بشروطها وأركانها وأدابها وخشوعها فقد استقام ميزان يومك. وكانوا يُسمون الجمعة ميزان الأسبوع. وشهر رمضان ميزان السنة، والحج ميزان العمر.

 

قال النبي صلى الله عليه وسلم : "أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا" فقال رجل: أكل عام يارسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم..." رواه مسلم. ففرض الله سبحانه وتعالى الحج مرة واحدة في العمر تيسيرا على الأمة وتخفيفا على العباد ف : (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها...) فالله لا يكلف الإنسان ما ليس في وسعه وطاقته ولا ما يُحرجه في دينه ودنياه (ما جعل الله عليكم في الدين من حرج...)

 

هذا إخوتي الكرام تذكير موجز ومختصر عن فريضة الحج حتى نشتاق للحج ونسعى لأدائه وأن لا نتكاسل ونتراخى ونبخل ، فالحج كما ذكرنا فريضة تجب على كل مسلم ومسلمة بشرط الإستطاعة فمن كان مستطيعا فليعجل بآدائها ولا يُسوف ولا أتصور ولا يتصور أحد مسلم  أن تطيب نفس المؤمن يترك الحج مع قدرته عليه بماله وبدنه، وهو يعلم أنه من فرائض الإسلام وأركانه . ولا أتصور أن  يبخل مؤمن بالمال على نفسه في أداء هذه الفريضة وهو ينفق الكثير من ماله فيما تهواه نفسه، فلا تتثاقل يا أخي عن آداء فريضة الحج ، فالحج لا يجب في العمر سوى مرة واحدة. وكيف يتراخى مؤمن  ويؤخر أداء الحج  وهو لا يدري لعله لا يستطيع الوصول إليه بعد عامه فمن منا يدري هل يعيش إلى عام قادم أم لا؟.

 

فاتقوا الله عباد الله، وأدوا ما فرضه الله عليكم من الحج تعبدا لله تعالى، ورضا بحكمه وسمعا وطاعة لأمره (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم) الأحزاب.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرجيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . 

 

 


faheemfb@gmail.com   فهيم أبوخـطـوة، ، البريد الإلكتروني